مصطلح ” المثقّف ” و الانحراف الدلالي !

مصطلح " المثقّف " و الانحراف الدلالي !

معلومٌ أنّ اللغة تنمو كالكائن الحيّ ، وأنّ نموَّها مرتبط بالاستعمال ، فكثير من المفردات وُلِدت بمعان معجميّة ضيّقة ، ثم كبرت بالاستعمال اليومي ، فاتّسعت دلالاتها ، فنتقلت من المعجم إلى الاصطلاح الاجتماعي أو العلميّ ، ومفردة " أدب " هي المثال المستهلك في هذا الشأن ، حيث مرّت بمراحلة عدّة بدءًا بــ " المائدة " حتى استقرّت في بطن " الأديب " ، غير أنّ هذه المفردة لم تنحرف عن مسارها ، وإنما تطوَّرت و نمت نموًّا طبيعيّا صحيّا إلى أن انتهت إلى ما نتهت إليه . في المقابل نجد مفردة " مخنّث " التي كانت تطلق على من يتأنّث من الذكور فتبدو فيه بعض خصائص الأنثى ، وهي مفردة بدأت من دلالة " الخنثى " الجنس الوسط بين الذكورة و الأنوثة ، ثم بفعل استهلاك هذه المفردة وصلت إلى ما وصلت إليه مما يُستَقبَحُ ذكرُه من معنى شوارعيّ جعل هذه المفردة ذات حساسيّة شديدة وإيحاء بالغ التأثير على المتلقّي .
من هذا المنطلق تبدو مفردة " مثقّف " هي الأخرى مهدّدة بالانحراف الدلاليّ بفعل الاستعمال والسلوك الذي تصطبغ به ، و لرصد حركة نموّ هذه المفردة يمكن القول إنها بدأت بالمعنى المعجميّ للتثقيف ، يقال ثقّف الرُّمح : أيّ قوّمه ، فهي ذات دلالة إصلاحيّة ، ومن هنا قفزت إلى دلالتها التربويّة فصارت تُعنى بالتربية ، يقال ثقّف نفسه : أي أصلحها ، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الشأن الثقافي ، فصار " المثقّف " بفتح القاف و تضعيفها ، هو من صقلته الثقافة فظهرت في سلوكه . إلى هنا يبدو الأمر طبيعيّا ، إلى أن أخذت المفردة تنحو منحى تصنيفيّا خاصا ، حين صارت تخصّ مجموعةً من الذين يتعاطَون نوعًا من المعرفة ، وتبدو على ملامحهم سيمياء خاصّة ، كأن يكون صحفيا ، أو كاتب زاوية ، أو يُرى بصحبة كتاب حديث ، أو تتدلَّى نظارته إلى أرنبة أنفه ، أو يحمل عددًا من الصحف المختلفة ، أو يتكلَّم في الشأن العام ، أو ينتقد الهيئة ، أو تكون له مداخلة في قناة فضائية حواريّة ، أو .. ، أو .. " كل هذه السلوكيات تمنح من يتعاطاها مصطلح " مثقَّف " ، غير أنّ هذا المصطلح ، و تحديدًا بعد حادثة الماريوت الشهيرة ، بدأ يضيق أكثر حيث صار ألصق بالمثقّف النسوي، و أخشى ما أخشاه أن يتحوَّل ، في المستقبل ، إلى " سُبَّة " توصل إلى المحاكم ، خصوصًا أن هذا المصطلح بدأ يتشكّل في ذهنيّة المتابع تشكلا سلبيا ، و قد يستقرّ في هذا القاع كما استقرّت مفردة " مخنّث " في قاعها . وحين تصل إلى هذا المستوى الدلاليّ فلنا معًا أن نتخيّل مشهدًا ضاحكا في عام 1480 هـ ، حين يلتقي صبيَّان ، فيشتم أحدهما الآخر قائلا :
- روح يا ولد المثقّف !
فيردّ الآخر عليه السّبة :
- أصلا .. أنت أمّك مثقّفة !
فيشتدّ الخصام بينهما :
- لا تصل الأمّ .. و الله أمّك المثقفة !
فيرتفع صوتهما إلى درجة إزعاج الجيران ، فيطلّ ثالث من النافذة ، قائلا :
- أزعجتونا يا ناس .. أصلا أنتم مثقفّين ، و قليلين تربية ، هيا روحوا من هنا !

وعند هذا الحدّ سنتدخّل و نطالب بتغيير اسم وزارة الثقافة و الإعلام أسوةً بوزارة المياه و الصرف الصحّي حين شطبت على اسم " المجاري " لتدسّ رائحة العَفَن !

د. سعود الصاعدي

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف شريط الكتاب. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>


تصميم شركة سبيس زوون للأستضافة و التصميم و حلول الويب و دعم المواقع

 

 

W3Counter